محمد بن يزيد المبرد

453

المقتضب

تقول : « زيد أفره الناس عبدا » ، و « أفره الناس عبيدا » . قيل : الفصل بينهما أنّك إذا قلت : « زيد أفره الناس عبدا » ، جاز أن تكون تعني عبدا واحدا ، وأن تكون تعني جماعة . فإذا قلت : « عبيدا » بيّنت الجماعة ، وأنت إذا قلت : « خمسة عشر » ، ونحوه فقد بيّنت العدد ، فلم تحتج إلى النوع فجئت بواحد منكور يدلّ على جنسه ؛ لأنّك قد استغنيت عن ذكر الجماعة . * * * فإذا ثنّيت أدنى العقود ، اشتققت له من اسمه ما فيه دليل على أنّك قد خرجت عنه إلى تضعيفه . والدليل على ذلك ما يلحقه من الزيادة ، وهي « الواو والنون » في الرفع ، و « الياء والنون » في الخفض والنصب ، ويجري مجرى « مسلمين » . وذلك قولك : « عندي عشرون رجلا » ، و « عشرون جارية » ، فيستوي فيها المذكّر والمؤنّث ؛ لأنّه مشتقّ مبهم ، وليس في العدد الذي هو أصل . والأصل ما بين الواحد إلى العشرة . فكلّ عدد فمن هذا مشتقّ في لفظ أو معنى . * * * فأمّا قولهم « عشرون » ولم يفتحوا لعشر العين ، فقد قيل فيه أقاويل : قال قوم : إنّما كسرت ؛ ليدلّوا على الكسرة التي في أوّل « اثنين » ؛ لأنّها تثنية « عشرة » ، وليست بجمع ، وليس هذا القول بشيء . ولكن نقول في هذا : إنّه اسم قد صرّف على وجوه : فمنها أنّك تقول في المذكر : « عشرة » وللمؤنث : « عشر » بالإسكان وليس على منهاج التذكير ، ولو كان على منهاجه ، لكان حذف الهاء لازما للمذكّر وإثباتها لازما للمؤنّث كسائر الأسماء ؛ نحو : « ظريف » و « ظريفة » ، و « متكلّم » و « متكلّمة » . وعلى هذا قالوا : « خمسة عشر » ، فغيّروه ، وقالوا : « خمس عشرة » ، فبنوه على خلاف بناء التذكير . فلمّا كان هذا الاسم مغيّرا في جميع حالاته ، ولم يكن في « العشرين » على منهاج سائر العقود غيره - كان دليلا على مجيئه على غير وجهه ؛ ألا ترى أنّهم لمّا جمعوا منقوص المؤنّث بالواو والنون ، غيّروا أوائله ؛ ليكون التغيير دليلا على خروجه من بابه . وذلك قولك : « سنة » ، ثمّ تقول : « سنون » ، فتكسر « السين » ، وكذلك « قلة » [ 1 ] و « قلون » .

--> [ 1 ] القلة : عودان يلعب بهما الصبيان ، وعود يجعل في وسطه حبل ثم يدفن ، ويجعل للحبل كفّة فيها عيدان ، فإذا وطئ الظبي عليها ، عضّت على أطراف أكارعه . ( لسان العرب 15 / 199 ( قلا ) ) .